كارثة نيبال الأخيرة.. انهيار جليدي يحوّل الأنهار إلى سيول مدمرة ويخلف مئات القتلى والمفقودين

الجوكاريو
المؤلف الجوكاريو
تاريخ النشر
آخر تحديث

شهدت نيبال واحدة من أخطر الكوارث الطبيعية خلال السنوات الأخيرة، بعد أن تسبب انهيار جزء من نهر جليدي وانهيار صخري في جبال الهيمالايا في إطلاق موجة هائلة من المياه والحطام، اجتاحت مناطق واسعة قرب الحدود بين نيبال والتبت، وأدت إلى سقوط مئات القتلى والمفقودين وتدمير قرى وطرق وجسور ومنشآت حيوية.



وبحسب أحدث التقارير المنشورة في 28 أغسطس/آب 2026، تجاوز عدد الوفيات في نيبال وحدها 547 شخصًا، بينما لا يزال أكثر من 1500 شخص في عداد المفقودين في مناطق الكارثة على جانبي الحدود، مع استمرار عمليات البحث والإنقاذ في ظروف شديدة الصعوبة.

ماذا حدث في نيبال؟

بدأت الكارثة صباح 26 أغسطس/آب 2026 في منطقة جبلية قرب الحدود بين نيبال والصين، عندما انهار جزء من كتلة جليدية في منطقة الهيمالايا، بالتزامن مع سقوط كميات ضخمة من الصخور والجليد إلى مجرى نهر Lhende Khola.

وأدى هذا الانهيار إلى تكوين تدفق هائل من المياه والطين والصخور، تحوّل سريعًا إلى ما يشبه جدارًا من الحطام اجتاح المناطق الواقعة أسفل الوادي بسرعة كبيرة، مدمراً كل ما اعترض طريقه. وأظهرت التحليلات الأولية أن الانهيار امتد لعشرات الكيلومترات، بينما وصلت آثاره إلى مناطق واسعة على جانبي الحدود.

ولم تكن الكارثة مجرد فيضان تقليدي؛ فالسيول حملت معها كميات ضخمة من الصخور والطين والجليد، وهو ما جعل قدرتها التدميرية أكبر بكثير من الفيضانات المعتادة.

مئات الضحايا وآلاف المفقودين

الحصيلة البشرية ارتفعت بصورة متسارعة مع وصول فرق الإنقاذ إلى المناطق المعزولة. وتشير أحدث التقديرات إلى وفاة أكثر من 547 شخصًا، مع بقاء أعداد كبيرة من السكان والزوار في عداد المفقودين. كما تأثرت أعداد كبيرة من الأجانب الذين كانوا موجودين في المنطقة بهدف تسلق الجبال أو الرحلات أو الحج إلى مواقع دينية في المنطقة.

وكانت السلطات النيبالية قد أعلنت في وقت سابق أن مئات السياح من عشرات الدول فقدوا الاتصال بذويهم بعد وقوع الكارثة، في منطقة تشتهر بالرحلات الجبلية والطرق المؤدية إلى مناطق التبت.

وتشير التقارير إلى أن عمليات الإنقاذ تواجه صعوبة هائلة بسبب انهيار الطرق والجسور وانقطاع الاتصالات، إضافة إلى استمرار مخاطر الانهيارات والسيول الجديدة.

قرى كاملة اختفت تحت المياه والطين

لم تقتصر آثار الكارثة على الخسائر البشرية، بل تسببت السيول في تدمير جزء كبير من البنية التحتية في المناطق الجبلية.

فقد دُمرت أو تضررت عشرات الجسور وعشرات الكيلومترات من الطرق، كما تعرضت منازل ومركبات ومنشآت للطاقة الكهرومائية لأضرار بالغة. وأظهرت الصور الجوية مناطق كانت مأهولة بالسكان وقد غطتها طبقات سميكة من الطين والصخور والحطام.

كما تضررت عدة مشاريع للطاقة الكهرومائية، ما أدى إلى توقف جزء من القدرة الإنتاجية للكهرباء في المنطقة، في وقت كانت فيه فرق الإنقاذ تحاول الوصول إلى أشخاص عالقين في مناطق يصعب الوصول إليها برًا.

إنقاذ عالقين داخل نفق لمحطة كهرومائية

ومن بين أخطر المواقف التي واجهت فرق الإنقاذ، وجود عدد من العمال والسكان محاصرين داخل نفق تابع لمشروع للطاقة الكهرومائية.

ووفق تقارير ميدانية، تمكنت السلطات النيبالية من إنقاذ مئات الأشخاص من داخل مناطق وممرات معزولة، فيما استمرت عمليات الإجلاء باستخدام المروحيات، خصوصًا بعدما أصبحت بعض الطرق غير صالحة للاستخدام.

وقد شاركت وحدات من الجيش والشرطة وفرق الإنقاذ المحلية في عمليات البحث، إلى جانب استخدام المروحيات والطائرات المسيرة وفرق البحث المتخصصة.

خطر جديد يهدد المناطق المنكوبة

وبينما كانت فرق الإنقاذ تحاول التعامل مع آثار الفيضان الأول، ظهرت مشكلة جديدة أثارت مخاوف السلطات.

فقد تسبب الانهيار الهائل في تكوين بحيرة جديدة نتيجة تجمع المياه خلف كميات ضخمة من الصخور والحطام. وأصبحت المخاوف تتركز حول احتمال ارتفاع منسوب المياه أو انهيار الحاجز الطبيعي، الأمر الذي قد يؤدي إلى موجة فيضانات جديدة في المناطق الواقعة أسفل البحيرة.

وفي 28 أغسطس، أفادت تقارير بأن البحيرة بدأت تتجاوز حوافها، ما دفع السلطات إلى رفع مستوى التحذير وإيقاف بعض عمليات الإنقاذ مؤقتًا في المناطق المعرضة للخطر، مع توجيه السكان إلى الانتقال إلى مناطق أكثر ارتفاعًا وأمانًا.

وهذا يعني أن الكارثة لم تنتهِ بعد، وأن فرق الإنقاذ نفسها أصبحت مضطرة إلى التعامل مع خطر حدوث كارثة ثانية.

ما سبب الانهيار الجليدي؟

تشير التحليلات الأولية إلى أن الكارثة بدأت بانهيار جليدي وصخري في منطقة شديدة الارتفاع، ما أدى إلى سقوط كتلة ضخمة من الجليد والصخور في مجرى النهر.

وفي البداية، ربطت بعض التقارير الحدث بهزة أرضية، لكن تحليلات لاحقة أشارت إلى أن الإشارة الزلزالية التي سجلت في المنطقة ربما كانت ناتجة بشكل أساسي عن الطاقة التي أحدثها انهيار الجليد والصخور نفسه، وليس عن زلزال تقليدي تسبب بصورة مباشرة في الكارثة.

ويرى عدد من الخبراء أن ارتفاع درجات الحرارة وتغير المناخ قد يزيدان من عدم استقرار الأنهار الجليدية في جبال الهيمالايا، ما يجعل بعض المنحدرات والكتل الجليدية أكثر عرضة للانهيار، رغم أن تحديد السبب المباشر لهذا الانهيار يحتاج إلى مزيد من الدراسات الميدانية والعلمية.

لماذا كانت الكارثة شديدة التدمير؟

تكمن خطورة هذه الحوادث في أنها تجمع بين عدة عوامل في وقت واحد: انهيار جليدي، وانهيار صخري، وتدفق مفاجئ للمياه، ثم انتقال الطين والصخور بسرعات كبيرة عبر وديان جبلية ضيقة.

وهذه الظروف تجعل السكان القريبين من مجاري الأنهار أمام فترة زمنية قصيرة جدًا للاستجابة، خصوصًا في المناطق النائية التي تعاني أصلًا من صعوبة الوصول إليها.

كما أن تدمير الجسور والطرق يؤدي إلى مشكلة إضافية، لأن العاصفة لا تكتفي بتدمير المنازل، بل تقطع أيضًا طرق الوصول إلى الناجين، وتعرقل وصول الغذاء والأدوية والمعدات الثقيلة.

جهود الإنقاذ والإغاثة

تواصل السلطات النيبالية عمليات الإنقاذ والإجلاء بمشاركة الجيش والشرطة وفرق الطوارئ، بينما تستخدم المروحيات لنقل المصابين وتوصيل المواد الغذائية والأدوية والمستلزمات الأساسية إلى المناطق المعزولة.

كما أعلنت منظمات دولية دعمها لجهود الإغاثة. وأكدت منظمة الصحة العالمية أنها تعمل مع وزارة الصحة النيبالية لتقييم الاحتياجات الصحية العاجلة، وأرسلت إمدادات طبية وخيامًا متعددة الاستخدامات لدعم الخدمات الصحية في المناطق المتضررة.

وبحسب الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، تأثر أكثر من 90 ألف شخص بصورة مباشرة بالكارثة، مع تحذيرات من مخاطر إنسانية وصحية إضافية بسبب النزوح وتضرر مرافق الخدمات الأساسية.

كارثة تتجاوز حدود نيبال

لم تتوقف آثار الانهيار عند الأراضي النيبالية، فقد امتدت إلى الجانب الصيني من الحدود، خصوصًا منطقة غيرونغ في التبت، حيث تضررت مناطق حدودية وسُجلت وفيات ومفقودون أيضًا.

وأدى تدفق المياه والحطام إلى تعطيل طرق تجارية وحيوية كانت تربط المنطقة بين نيبال والتبت، بينما اضطرت السلطات على جانبي الحدود إلى تنفيذ عمليات إجلاء والبحث عن المفقودين.

هل تغير المناخ له علاقة بما حدث؟

أعادت كارثة نيبال الأخيرة النقاش حول التأثير المتزايد لتغير المناخ على جبال الهيمالايا.

فالمنطقة تشهد تغيرات في درجات الحرارة وسلوك الأنهار الجليدية، ويخشى العلماء من أن يؤدي ذوبان الجليد وتغير أنماط هطول الأمطار إلى زيادة احتمالات عدم استقرار بعض المنحدرات والبحيرات الجليدية.

لكن من المهم التفريق بين العوامل التي تزيد المخاطر على المدى الطويل وبين تحديد السبب المباشر لحادثة بعينها؛ فالتقييم العلمي الكامل للكارثة الحالية ما زال مستمرًا.

كارثة لم تنتهِ بعد

ما حدث في نيبال ليس مجرد فيضان عابر، بل سلسلة متداخلة من الأخطار بدأت بانهيار جليدي وصخري، ثم تحولت إلى فيضانات مدمرة، وتسببت في انهيار البنية التحتية وعزل مناطق كاملة، قبل أن تظهر مخاوف جديدة من بحيرات تشكلت خلف الحطام وقد تؤدي إلى فيضانات إضافية.

ومع استمرار عمليات البحث، تبقى أعداد الضحايا والمفقودين قابلة للتغير مع وصول فرق الإنقاذ إلى المناطق التي عزلتها السيول والانهيارات. ولذلك فإن الأرقام المنشورة حتى 28 أغسطس/آب 2026 يجب التعامل معها باعتبارها حصيلة مؤقتة قابلة للتحديث.

وفي الوقت الذي يحاول فيه الناجون استعادة ما يمكن إنقاذه من منازلهم وممتلكاتهم، تواجه نيبال واحدة من أصعب عمليات الطوارئ في تاريخها الحديث، بينما يراقب العالم عن كثب تطورات الوضع في جبال الهيمالايا، خشية أن تتحول البحيرات والحواجز الطبيعية التي خلفتها الكارثة إلى مصدر لخطر جديد.

تعليقات

عدد التعليقات : 0